عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
515
معارج التفكر ودقائق التدبر
تكرّر في القرآن المجيد التّنبيه على آيتي اللّيل والنّهار من آيات اللّه في كونه ، وعلى آيتي الشّمس والقمر من آياته جلّ جلاله ، لما في هذه الآيات من دلالة عظيمة على قدرة اللّه الكبرى وعلمه المحيط بكلّ شيء علما ، وحكمته البالغة ، ومنّته على عباده في الأرض ، وقد سبق في نجوم التّنزيل لدى تدبّر الآيات القرآنيّة الّتي جاء فيها ذكر هذه الآيات الكونية ، شرح وتفصيل ما يتعلّق بها بمقدار ما فتح اللّه . وقد جاء هنا التّنبيه على هذه الآيات ، توطئة للنّهي عن السّجود للشّمس والقمر ، اللّذين يرتبط بهما اللّيل والنّهار في الظّواهر الكونيّة الخاصّة بالأرض وسكّانها . ولمّا كان في النّاس من يسجد للشّمس أو القمر عبادة لهما ، كصابئة العراق ، ويمنيّي سبأ في عهد بلقيس وقبله ، وربّما استمرّ لهم وجود بعدها ، وكانت رسالة الإسلام للنّاس عامّة ، كان من الحكمة اشتمال القرآن المجيد على بيان يتعلّق بالنّهي عن عبادة الشّمس والقمر ، ومن مظاهرها لدى عبّادهما السّجود لهما ، وكان من الحكمة بيان أنّهما خلق من خلق اللّه في كونه ، وكذلك اللّيل والنّهار . * . . إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ : أي : إن كنتم تفردون اللّه بعبادته ، ولا تشركون بعبادته شيئا ، بمعنى : إن كنتم تريدون نجاة أنفسكم من العذاب على الشّرك . استفيد القصر من تقديم المفعول به إِيَّاهُ على الفعل العامل فيه تَعْبُدُونَ . والخطاب موجّه للّذين يسجدون للشّمس أو القمر ، سواء أكان لهم وجود في بعض قبائل العرب أو أفراد منهم ، أو لم يكن لهم وجود في العرب ، إذ كان لهم وجود حتما في أمم أخرى كصابئة العراق ، ومن يتابعهم على مذهبهم الشّركيّ .